ابن قيم الجوزية
591
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الثامن : أنه جعله خاتمة الأعمال الصالحة ، كما كان مفتاحها . التاسع : الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته . وأنهم أولو الألباب دون غيرهم . العاشر : أنه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة وروحها . فمتى عدمته كانت كالجسد بلا روح . في تفصيل ذلك : 1 - أما الأول : فكقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 42 ) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 41 - 43 ] وقوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً [ الأعراف : 205 ] . وفيه قولان . أحدهما : في سرك وقلبك . والثاني : بلسانك بحيث تسمع نفسك . 2 - وأما النهي عن ضده : فكقوله : وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ [ الأعراف : 205 ] وقوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ الحشر : 19 ] . 3 - وأما تعليق الفلاح بالإكثار منه : فكقوله : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الجمعة : 10 ] . 4 - وأما الثناء على أهله ، وحسن جزائهم : فكقوله : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [ الأحزاب : 35 ] - إلى قوله - وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [ الأحزاب : 35 ] . 5 - وأما خسران من لها عنه ، فكقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) [ المنافقون : 9 ] . 6 - وأما جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له ، فكقوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) [ البقرة : 152 ] . 7 - وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من كل شيء فكقوله تعالى : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت : 45 ] . وفيها أربعة أقوال : أحدها : أن ذكر اللّه أكبر من كل شيء . فهو أفضل الطاعات . لأن المقصود بالطاعات كلها : إقامة ذكره . فهو سر الطاعات وروحها . الثاني : أن المعنى : أنكم إذا ذكرتموه ذكركم فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له . فعلى هذا : المصدر مضاف إلى الفاعل . وعلى الأول : مضاف إلى المذكور . الثالث : أن المعنى : ولذكر اللّه أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر . بل إذا تمّ الذكر : محق كل خطيئة ومعصية . هذا ما ذكره المفسرون . الرابع : وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : معنى الآية : أن في الصلاة فائدتين عظيمتين : إحداهما : نهيها عن الفحشاء والمنكر .